محمد الريشهري

2944

ميزان الحكمة

والأرض وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون ) * ( 1 ) والآية - كما ترى - تحاذي أول سورة الملك المنقول آنفا . فقد بان أن المراد بإراءة إبراهيم ملكوت السماوات والأرض - على ما يعطيه التدبر في سائر الآيات المربوطة بها - هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى مشاهدة الأشياء من جهة استناد وجودها إليه ، وإذ كان استنادا لا يقبل الشركة لم يلبث دون أن حكم عليها أن ليس لشئ منها أن يرب غيره ويتولى تدبير النظام وأداء الأمور ، فالأصنام تماثيل عملها الإنسان وسماها أسماء لم ينزل الله عليها من سلطان ، وما هذا شأنه لا يرب الإنسان ولا يملكه وقد عملته يد الإنسان ، والأجرام العلوية كالكوكب والقمر والشمس تتحول عليها الحال فتغيب عن الإنسان بعد حضورها ، وما هذا شأنه لا يكون له الملك وتولي التدبير تكوينا كما سيجئ بيانه . قوله تعالى : * ( وليكون من الموقنين ) * اللام للتعليل ، والجملة معطوفة على أخرى محذوفة ، والتقدير : ليكون كذا وكذا وليكون من الموقنين . واليقين هو العلم الذي لا يشوبه شك بوجه من الوجوه ، ولعل المراد به أن يكون على يقين بآيات الله على حد ما في قوله : * ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) * ( 2 ) وينتج ذلك اليقين بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا . وفي معنى ذلك ما أنزله في خصوص النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ) * ( 3 ) وقال : * ( ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) * ( 4 ) وأما اليقين بذاته المتعالية فالقرآن يجله تعالى أن يتعلق به شك أو يحيط به علم ، وإنما يسلمه تسليما . وقد ذكر في كلامه تعالى من خواص العلم اليقيني بآياته تعالى انكشاف ما وراء ستر الحس من حقائق الكون على ما يشاء الله تعالى ، كما في قوله : * ( كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم ) * ( 5 ) وقوله : * ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون ) * ( 6 ) . [ 3714 ] حجب الملكوت - رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - في ليلة الإسراء - : فلما نزلت وانتهيت إلى سماء الدنيا نظرت أسفل مني ، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : وهذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت

--> ( 1 ) الأعراف : 185 . ( 2 ) السجدة : 24 . ( 3 ) الإسراء : 1 . ( 4 ) النجم : 17 ، 18 . ( 5 ) التكاثر : 5 ، 6 . ( 6 ) الميزان : 7 / 169 والآيات ، المطففين : 19 - 21 .